خطابات الأمين التنفيذي

 


6/17/2014
, بيروت

 


حفل نقاش تقرير التكامل العربي بمركز كارنيغي للشرق الأوسط

كلمة الدكتورة ريما خلف،
وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للإسكوا،



في حفل نقاش تقرير التكامل العربي،
مركز كارنيغي للشرق الأوسط

 


بيروت، 17 حزيران/يونيو 2014



دولة الرئيس فؤاد السنيورة،
أصحاب المعالي والسعادة،
الحضور الكريم،

يسعدني أن أشارككم في هذا اللقاء لنطلق من بيروت أول تقرير تعده لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا حول التكامل العربي الشامل.

أود بداية أن أتوجه بالشكر إلى مركز كارنيغي للشرق الأوسط على استضافته الكريمة لنا، وأن أعرب عن تقديري لهذا المركز العريق وتثميني لدوره في تشجيع الحوار حول القضايا السياسية والاجتماعية، والتحولات الكبرى التي تشهدها منطقتنا. كما أتوجه بالشكر إلى الدكتورة مهى يحيى على مبادرتها في عقد هذا اللقاء وحسن تنظيمه وإدارته.

التكامل العربي، موضوع التقرير الذي نلتقي حوله اليوم، حلمٌ سكن الوجدان العربي، ومشروعٌ كان في صلب أجندة العمل العربي المشترك منذ خمسينيات القرن الماضي. ضعف الإنجاز على صعيد التكامل الرسمي ومقاومة بعض المصالح الخاصة لفكرته، أدخل الشك إلى قلوب البعض حول جدوى هذا المشروع؛ وهو ما كان ليبقى حياً لولا دعم والتزام النخب الثقافية، والخبرات العربية المتميزة فكراً وممارسة. وكان دولة الرئيس فؤاد السنيورة في طليعة هذه النخبة، وقد احتضن قضايا النهضة والتكامل العربي دعماً لمسيرة الحداثة والحرية والانفتاح وقبول الآخر، وتحقيقاً لطموحات الأجيال الصاعدة. فالشكر له لإسهاماته المميزة في هذا المضمار ولتشريفه لنا اليوم بإلقائه الكلمة الرئيسية  في لقائنا.

الحضور الكريم،

قبل ما يقارب المائة عام، قال جبران خليل جبران:

 " الويل لأمة مقسمة إلى أجزاء. وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة ".
قول يُختصر به فحوى التقرير. عقود من التنمية في ظل التشرذم لم تولّد الازدهار المرجو ولا الحياة الكريمة التي ينشدها العرب ويستحقونها. عقود اتسعت خلالها الهوة بينهم وبين المجموعات الأخرى، وتعمقت. قهر داخلي وتعثر تنموي خلفا فقراً وبطالة ومكنا الخارج من استباحة المنطقة والتنعم بمقدّراتها على حساب أهلها. هذا وذاك، إضافة إلى أزمة ثقافية جمّدت الإبداع والفكر، أدخل الناس في سباق نحو المغالاة في التعصب ونبذ الآخر. وكانت النتيجة تصاعد في التوترات الإثنية والمذهبية والنزعات الانفصالية في بعض المجتمعات العربية هدّدت وحدة الدول وسلمها الأهلي وأمنها القومي.  فأصبحت المنطقة العربية التي تضم أقل من 5  في المائة من سكان العالم تأوي 53 في المائة من لاجئيه، ناهيك عن أعداد كبيرة من النازحين، نتيجة الاحتلال والنزاعات الداخلية والتدخل الأجنبي.  

يتناول تقرير التكامل العربي الواقعَ بإنجازاته وإخفاقاته، وبمشكلاته المزمنة والطارئة.  ويقدر أن لا سبيل لتجاوز المأزق التنموي والسياسي الراهن، إلا بنهضة شاملة لجميع مناحي البنى المجتمعية والمبادئ القيمية. ويرى التقرير في التكامل العربي سبيلاً لامتلاك جل مقومات هذه النهضة من إرادة حرة وعلم مبدع وقدرة حقيقية لا وهمية وحياة دائمة التجدد. ويقدم مشروعاً للتكامل الشامل يكسر الحاجز الذي كبّل التكامل العربي وحصره طوال العقود الستة الماضية في أضيق الحدود، فعجز عن مواكبة المفاهيم المعاصرة للاقتصاد التنموي وفشل في تحقيق  انطلاقة نوعية في مؤشرات التنمية البشرية العربية.

الحضور الكريم،

لنا في بعض الأرقام أكثر من دافع للتوقف والتفكير ملياً في الواقع. فخمس العرب يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وثلثهم يعانون من الأمية، وشبابهم يعاني من أعلى معدل بطالة في العالم ونساؤهم من أقل نسبة مشاركة اقتصادية.  وسوء التغذية ينتشر حتى بات حالة خمسين مليون عربي، وقد أصبح أكثر من نصف مليون طفل في اليمن، وأكثر من مليون طفل في الصومال، وعدد لا يحصى من الأطفال السوريين مهددين بالموت جوعاً. وبعد عقود من التنمية لم تنجح المنطقة في تنويع اقتصاداتها ولا في بناء اقتصادات المعرفة وهي اليوم أقل تصنيعاً مما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي، ولا يتجاوز نصيبها من النشر العلمي في العالم واحداً في المائة.

لا يختلف المراقبون في توصيف حال المنطقة والوهن الذي أصابها. وتتعاظم المشكلات باستباحة خارجية تتجلى بأبشع صورها في الاحتلال الأجنبي المباشر. فاحتلال اسرائيل لفلسطين هو الاحتلال الأطول والوحيد المتبقي في العصر الحديث في انتهاك سافر للمواثيق الدولية. وهو يمعن في تكريس سياسات التمييز، ويمارس شتى أشكال العزل والقمع ضد الفلسطينيين، وقد سلب منهم عنوةً وعمداً حريات وحقوقاً أساسية غير قابلة للمساومة أو التجزئة. وفي خرق آخر لحقوق الإنسان ومبدأ عدم جواز التمييز على أساس الدين أو العرق، تصر دولة الاحتلال على الاعتراف بها دولة لليهود فقط في إحياء مرعب لمفهوم النقاء الديني والعرقي للدول. 

الحضور الكريم،

 نقضاً للمسار الراهن، يقدم التقرير رؤية استراتيجية للتكامل المفضي إلى نهضة حضارية تضمن حق جميع مواطني الدول العربية في العيش الكريم والرفاه المادي والمعنوي، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو جنسهم. وترتكز استراتيجية التكامل على أركان ثلاثة أولها تعاون سياسي عربي يدعم إقامة الحكم الديمقراطي الصالح. وثاني هذه الأركان تعميق التكامل الاقتصادي بدءاً باستكمال تنفيذ نشاطات التكامل العربي القائمة، ووصولاً إلى إقامة وحدة اقتصادية عربية كاملة تحقق الازدهار الاقتصادي والرفاه الإنساني لجميع مواطني البلدان العربية. وقد بيّن التقرير بالتحليل العلمي الدقيق أن إجراءات بسيطة كتخفيض كلفة النقل وزيادة حجم العمالة المتبادلة بين الدول العربية سترفع الناتج العربي بأكثر من 750 مليار دولار في غضون سنوات قليلة، وستوفر أكثر من ستة ملايين فرصةِ عمل جديدة. أما الركن الثالث، فهو الإصلاح الثقافي والتربوي الذي يعيد إحياء ثقافة الإبداع ويحرر الفكر من نزعات الانغلاق والتطرف والتبعية.

الحضور الكريم،

قد تبدو الدعوة للتكامل ضرباً من الخيال في منطقة يسودها التشرذم وتزداد فيها التحديات الاقتصادية وتشهد تغيّرات سياسية واجتماعية على مدار الساعة. ولكن التقرير لم يُغفِل واقع الفرقة بل يرى في هذا الواقع دافعاً قوياً للخروج منه، عن طريق نهضة تصلح الحكم والفكر، وتكامل بين أجزاء الوطن يقوي كل جزء منه، تكامل أثبتت صحته التجارب المعاصرة نهجاً للنهوض بالمواطن والوطن.  ولاشك أن اغتنام الفرص التي لا تزال متاحة هو أسلم من الوقوف على أطلال الضائع منها في الآتي من الأيام.

أكرر شكري الجزيل لمركز كارنيغي على استضافته لهذا اللقاء. وأشكر جميع أعضاء الفريق الذين أسهموا في إعداد هذا التقرير، وأرحب بالحاضرين منهم معنا اليوم. وأتمنّى أن تفضي مناقشاتكم إلى إثراء مضمون هذا التقرير ومفهوم التكامل الذي يطرحه. فنحن، على اختلاف اتجاهاتنا وآرائنا، لا شك متفقون على أن الوقت قد حان، ليس فقط لتطوير الفكر وإبداع رؤى جديدة، بل لتوظيفها في بناء واقع جديد.

وشكراً.


Copyright © ESCWA.  All Rights Reserved.