خطابات الأمين التنفيذي

 


6/19/2014
, Beirut

 


منتدى الاقتصاد العربي

كلمة معالي الدكتورة ريما خلف


وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة
والأمينة التنفيذية للإسكوا


في

منتدى الاقتصاد العربي

بيروت، 19 حزيران، 2014

 



دولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني، السيد تمام سلام،
سعادة حاكم مصرف لبنان، الدكتور رياض سلامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
الحضور الكريم،

يسعدني كثيراً أن أشارك مجدداً في هذا المنتدى الاقتصادي العربي، ويشرفني أن تكون الإسكوا شريكاً في تنظيمه هذا العام. تتعدد دواعي سعادتي  بلقائنا السنوي في كنف هذا المنتدى. فهو ليس مجرد لقاء يضيف واحداً إلى عدد الاجتماعات الإقليمية التي تعقد في لبنان. هو ملتقىً فيه كل ما يتمنى القلب أن يبصره، وتجهد العين كي  تراه في المشهد العربي اليوم.  هو الجامع في زمن الفرقة. إليه تتوافد من كل قطر نخبة من القيادات العربية المميّزة. وفيه يجتمع السياسي والاقتصادي للتفكير في مشكلات لا تعترف بالحدود الفاصلة بين الفضاءات أو الأقطار، ولدراسة حلول لا يقوى أي منهما عليها بمفرده. 

هو الناظر أبداً إلى  المستقبل، في وقت الهروب إلى الماضي لا للاهتداء به، بل للتقوقع فيه. 
لهذا وذاك أقدّر لكم جميعاً حضوركم، وأشكر لسعادة حاكم مصرف لبنان، الدكتور رياض سلامة، ومجموعة الاقتصاد والأعمال مواظبتهم على عقد هذا المنتدى وحرصهم على نجاحه.

الحضور الكريم،

تتداولون خلال يومين في مواضيع لا تتعلق بكم وبأعمالكم فحسب، بل أيضاً بحياة ورفاه كل مواطن عربي. تتحدثون في الاقتصاد وفي التحولات السياسية منذ اندلاع الثورات العربية وفي العلاقة بينهما؛ وهي بدون شك علاقة سببية في الاتجاهين.  فالاقتصاد الناهض يعزز فرص نجاح التحول الديمقرطي؛ والبناء الديمقراطي السليم، بما يؤسسه من حكم القانون وتكافؤ الفرص، يؤدي إلى ازدهار اقتصادي يجني ثماره الجميع. وبين حال الاقتصاد وحال المواطن وأمنه ترابط وتشابك لم يسْهُ عنه أحد في خضم التحول الديمقراطي العربي؛ ترابط أدركته قوى الثورة، لكنها لم تفلح في استثماره، وتفطّنت له القوى المضادة لها، فاستغلته بدهاء حرف مسار التحول وإن إلى حين. 

واليوم، إذ تدخل الثورات العربية عامها الرابع، نجد أنفسنا أمام مشهد صاخب يبدو مفتوحاً على الكثير من التفسيرات والاحتمالات. لن يعجز أي من المتفائل أو المتشائم أو الشامت عن دليل يسعفه في وجه الآخر، أو عن حجة تعينه في تسويق قراءته للمستقبل. فالثورات العربية استحضرت جميع الفصول في آن عندما خلخلت بعضاً من أهم الأسس التي قام عليها النظام العربي، وأودت باستقرار،ٍ كان محموداً في رأي البعض، وراكداً آسناً في رأي البعض الآخر. وبين استقرار ولّى وآخر لم يتبلور بعد، سقطت الرتابة القاتلة للتقدم والإبداع ولكن تزعزعت معها منظومة الأعراف والقيم التي كانت تضبط تصرفات الأفراد والجماعات وتنظم علاقاتهم بعضاً ببعض. فرصةٌ لتشكيل المستقبل لاحت لأكثر الفئات استنارة كما لأكثرها ظلاماً.

في مشهد اليوم تتقارب أبهى الصور مع أكثرها قتامة. نرى إضاءات ساطعة، يُخبي بريقَها قهرٌ واقتتال هنا واحتلال استيطاني هناك. وكأن ساحراً شريراً نقب في كتب التاريخ وانتقى أسوأ ما فيها، جبله وكيّفه مع العصر، ثم نثره عشوائياً على الأرض العربية الواسعة. ها هم المغول يجتاحون فلسطين، ولكنهم في الطبعة العصرية يشردون أهلها ليحلوا محلهم ويحرقون ما حولها. وها هو الملك الكامل يهدي القدس للملك فردريك ليحميه من أخيه. وها هي داحس والغبراء تستعر في ليبيا، والفتنة الكبرى تطل برأسها في المشرق العربي.

أشتال الربيع لم تزهر بعد. بعضها صرعته الصحراء العربية القاسية وإن لم تقض على جذوره. لكن بعضها الآخر أطل علينا ببراعم صغيرة تَعِدُ خيراً كثيراً. اليمن منحنا تجربة فريدة في الحوار الوطني الشامل للجميع تأسيساً لتوافق يصون وحدة البلاد. وتونس منحتنا دستوراً تقدم على كل سواه في حماية الحريات والحقوق وصون الكرامة الإنسانية. واليمن وتونس علّمانا أننا كعرب لسنا استثناءً؛ وأن شعوبنا قادرة على صوغ عقد اجتماعي بالتفاوض بين فرقاء العقد، لا بالإملاء.

احتفاؤنا بهذه الإنجازات لا يشغلنا عن الدمع الممتزج بالدم في أقطار عربية أخرى؛ عن الأرواح البريئة التي تزهق والمجتمعات الآمنة التي تمزق في معارك تستعر شرقاً وغرباً بين قوى النور والظلام؛ بين قوى تسعى لإنشاء أوطان مزدهرة منيعة ينعم فيها كل مواطن بالعدالة والحرية والكرامة، وأخرى تتشبث لآخر رمق باستبداد كرس الفقر والتخلف وفتح الباب واسعاً للاستباحة الخارجية. معارك استحسنتها وغذتها أطراف خارجية تقضي مصالحها بتحويل الصراع في المنطقة من صراع ضد التخلف والاحتلال والهيمنة الأجنبية إلى صراع ديني بين مسلمين ومسيحيين، وطائفي بين سنة وشيعة، وإثني بين عرب وأكراد وأمازيغ. صراع  ينهك الجميع ويصادر مستقبلهم، يفتك ليس بحياة الإنسان فحسب، بل أيضاً بالأخلاق والقيم والثوابت الوطنية وأسس العيش المشترك.
يخطئ من يعتقد أن إفشال التحول الديمقراطي سيعيد العالم العربي إلى ديسمبر 2010. ذلك زمن لن يعود. فالبديل للحكم الصالح، لن يكون استبداداً رحوماً تعلم بعضنا العيش في ظله والتأقلم معه. البديل هو استبداد غاشم، وممالك طوائف تستجدي ألفونسو ليعينها على أولاد العمومة، وقلاع ألَموت سوداء تغزو عقل الأمة فتشلّه وقلبها فتفسده.


الحضور الكريم،

براعم الربيع ستتفتح. والأمة ستنهض من كبوتها، لأنها قادرة عندما تريد. عندما أرادت، حررت جنوب لبنان من براثن أعتى قوة عسكرية في المنطقة، بالمقاومة الباسلة، لا بدهر من التفاوض. عندما أرادت حطمت التحصينات الأسطورية لخط بارليف وانتصرت في معركة الكرامة. والشباب العربي عندما أراد، أسقط أنظمة ظالمة مستحكمة سرقت منه مستقبله وكرامته. إنجازات ما كان لأي منها أن يتحقق لولا الاحتضان المجتمعي والخطاب الجامع الذي أعلى الصالح العام على الصالح الخاص وغلّب الولاء للوطن على الولاء للطائفة أو العشيرة.

النهوض ممكن لأن الإبداع متأصل في هذه الأمة. لكنه صعب المنال ما استمرت سياسات الإقصاء والتهميش التي تضرب الهويات الجامعة فتزين الإرهاب وتشوه المسعى من حرب على الفقر والتخلف والقهر، إلى إبادة الآخر من أهل الدار. ولا أرى محفلاً أفضل من هذا لإعلان النفير على الخطاب الطائفي والاستقطاب الإيديولوجي المهلك للذات وللأمة. ولا أرى نخبة أنسب من هذه لحمل مشروع نهضة تحيي ثقافة الإبداع والابتكار والاحتفاء بالآخر، فتبني نظم حكم تصون الحرية والكرامة لمواطنين متساوين في حقوقهم وفي إنسانيتهم، وتنشئ بنية اقتصادية قوية ومتنوعة تحقق الرفاه للجميع.

هذه هي الرسالة التي أضعها في عهدتكم اليوم. فأنتم، بناة الاقتصاد، خير من يعلم أن الاقتصاد لن يزدهر ما لم يستقم الوضع السياسي، ويُرفع الظلم عن الأمة فيصبح بمقدورها استئناف مسيرتها التاريخية إثراء لحياة أبنائها وللإنسانية جمعاء.


Copyright © ESCWA.  All Rights Reserved.